وضعت انتخاباتُ حاكم ولاية كاليفورنيا الولايةَ على مسار تجربة صحية قد يتردد صداها على مستوى البلاد بأكملها، وقد تُبرز أحدَ أكثر الانقسامات حدةً داخل الحزب الديمقراطي. فبعد انهيار حملة النائب السابق إريك سوالويل، تعهّد «الديمقراطيون» الثلاثة المتبقّون في السباق، وهم: توم ستاير، وكايتي بورتر، وكزافييه بيسيرا، بالسعي إلى إنشاء أول نظام رعاية صحية على مستوى الولاية يعتمد على جهة تمويل واحدة. ويُرجّح أن يكون المرشح الأوفر حظاً منهم في مواجهة «الجمهوري» ستيف هيلتون، المرشّح الآخر المتوقع بلوغه الجولة النهائية، في نوفمبر القادم. وهذا يعني أن احتمال انتخاب الحاكم القادم لكاليفورنيا على أساس وعد بضمان تغطية صحية شاملة، وإلغاء التأمين الصحي الخاص يظل مرتفعاً، مما سيمنح فكرةَ التمويل الأحادي فرصةً جديدةً، رغم اعتراض معظم الوسطيين عليها، حيث يرونها مكلّفة مالياً وسياسياً.

وبلغ الاهتمام بنظام المموِّل الواحد ذروتَه خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي عام 2020، عندما جعل كلٌّ مِن السيناتور بيرني ساندرز وإليزابيث وارن هذه الفكرةَ محورَ حملتيهما، لكن الزخم تراجع بعدما واجها صعوبةً في شرح كيفية تأمين الإيرادات اللازمة لتمويل سيطرة كاملة على الإنفاق الصحي، الذي يُقسَّم حالياً بين الحكومات والأفراد وأصحاب العمل، بتكلفة تُقدر بأكثر من ثلاثة تريليونات دولار سنوياً. وركّز جو بايدن، المعارض لفكرة الممول الواحد، بعد فوزه بالرئاسة في عام 2020، هو والديمقراطيون في الكونجرس، بدلاً من ذلك على توسيع الوصول إلى التأمين الصحي عبر قانون الرعاية الميسرة، فتراجع الاهتمام بنظام التمويل الموحد. وسلكت الفكرةُ مساراً مشابهاً في كاليفورنيا، إذ يسمح قانونُ الرعاية الميسرة للولايات بإنشاء أنظمتها الخاصة ذات الممول الواحد، وقد قدّم غافين نيوسوم لمؤيدي الفكرة، وعلى رأسهم رابطة ممرضي كاليفورنيا، التزامَه المطلق بقيادة الجهود لتحقيق ذلك خلال حملته الانتخابية الأولى عام 2018. وكان نيوسوم قد شكّل، في عامه الأول كحاكم، لجنةً أصدرت تقريراً إيجابياً في مجمله عام 2022، يشير إلى أن نظام الممول الواحد من شأنه «خلق فرص كبيرة لتقديم الرعاية الصحية بشكل أكثر فاعلية وكفاءة وعدالة». إلا أن اللجنة أقرّت بصعوبة إيجاد مصادر ضريبية مقبولة وكافية لتغطية فاتورة الرعاية الصحية السنوية للولاية (قُدِّرت حينها بـ517 مليار دولار). ومثل بايدن في واشنطن، ركّز نيوسوم بدلاً من ذلك على توسيع التغطية عبر قانون الرعاية الميسرة وبرنامج «ميديكيد».

ونجح، كما فعل بايدن على المستوى الوطني، في رفع نسبة سكان كالفورنيا الذين يمتلكون تأميناً صحياً إلى أكثر من 90%، وهو رقم قياسي. ومع هذه المكاسب، تعثّرت خطط الممول الواحد المدعومة من التيار الليبرالي داخل المجلس التشريعي للولاية. لكن ستاير وبورتر وبيسيرا لا يتطرّقون كثيراً إلى هذه السوابق الصعبة، فستاير، الملياردير الذي يقدِّم نفسَه كمدافع عن اليسار التقدمي، هو الأكثر وضوحاً في دعمه لهذا النظام، وقد حصل بالفعل على تأييد رابطة الممرضين، أبرز الداعمين للفكرة. أما بيسيرا فكان الأكثر حذراً، فرغم أن موقع حملته يشير إلى دعمه الطويل للفكرة، إلا أنه يطرحها كهدف بعيد المدى أكثر من كونها احتمالاً فورياً.

ومع ذلك، فإن تبنِّي المرشحين «الديمقراطيين» الثلاثة الأوفر حظاً في كاليفورنيا لفكرة المموِّل الواحد يعكس عودتَها بقوة داخل التيار اليساري. كما تبنّت الفكرةَ أيضاً نائبةُ حاكم إلينوي جوليانا ستراتون، التي فازت مؤخراً بترشيح الحزب «الديمقراطي» لمجلس الشيوخ هناك، وغراهام بلاتنر، متصدر الانتخابات التمهيدية «الديمقراطية» لمجلس الشيوخ في ولاية مين، وعدد من الفائزين في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب في أنحاء البلاد.

ويعكس تجدد الاهتمام بهذا النظام إدراكاً بأن مجرد التراجع عن تخفيضات الرئيس دونالد ترامب في برنامج «ميديكيد» ودعم قانون الرعاية الميسّرة لا يشكل برنامجاً كافياً للديمقراطيين، بحسب أنتوني رايت، الذي شارك في لجنة نيوسوم، ويشغل الآن منصبَ المدير التنفيذي لمنظمة «فاميليز يو إس إيه»، وهي جماعة تدافع عن مستهلكي الرعاية الصحية. ويقول إن القلق بشأن التكاليف، أكثر من مسألة التغطية، هو ما يدفع هذا الزخم الجديد. لكنه يضيف: «إذا أخذتَ نظامَ الممول الواحد على محمل الجد، فخذ أيضاً العقبات التي تعترضه على نفس المحمل».

وأولى هذه العقبات هي تكلفته، فقد وجدت دراسةٌ حديثةٌ لجامعة كاليفورنيا في بيركلي أن التكلفة الأولية لتنفيذ نظام على مستوى الولاية ارتفعت إلى 730 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الميزانية الإجمالية للولاية. وسيشمل جزءٌ كبيرٌ مِن هذا المبلغ إعادةَ توجيه الإنفاق الحكومي القائم على الرعاية الصحية، لكن النظام أيضاً يتطلّب مئات المليارات من الدولارات في شكل ضرائب جديدة. وحتى إذا كانت هذه الضرائب أقل مما يدفعه العديدُ مِن العمال وأصحاب العمل حالياً، في شكل أقساط ومصاريف إضافية، كما يؤكد مؤيدو الفكرة، فإن نقل هذه التكاليف بشكل واضح إلى دافعي الضرائب سيؤدي إلى صدمة سياسية.

ويعتقد اليسارُ أن الاستياء من الارتفاع المستمر في التكاليف قد وسّع قاعدةَ الدعم الشعبي للفكرة منذ عام 2020. في المقابل، لا يزال الديمقراطيون الوسطيون مقتنعين بأن هذه الفكرة ستنفِّر الناخبين القلقين من تكلفتها الهائلة ومِن منح الحكومة سيطرةً كبيرة على النظام الصحي. وإذا فاز ديمقراطي بمنصب حاكم كاليفورنيا على أساس برنامج الممول الواحد، فمن المرجّح أنه سيصل، كما فعل نيوسوم، إلى أن هذه الفكرة تُعد تشخيصاً لمشاكل نظام الرعاية الصحية، لا وصفة فعلية لعلاجها.

*كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»